الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي
172
تفسير كتاب الله العزيز
فأراد أن يستغفر لها ، وقال : استغفر إبراهيم لأبويه وهما مشركان ، فلمّا همّ أن يستغفر لأمّه جاءه جبريل وقال : ( وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ) . يقول : فلمّا مات علم أنّه لا توبة له ، فتبرّأ منه . وقال بعضهم : ذكر لنا أنّ رجلا قال لنبيّ اللّه عليه السّلام : إنّ من آبائنا من كان يحسن الجوار ، ويصل الأرحام ، ويفي بالذّمم ، أفلا نستغفر لهم ؟ قال : بلى ، فو اللّه إنّي لأستغفر لهم ، يعني والديه ، كما استغفر إبراهيم لوالديه « 1 » ، فأنزل اللّه هذه الآية : ( وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ ) . وقال في قوله : ( فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ ) أي : لمّا مات على شركه ( تَبَرَّأَ مِنْهُ ) . قوله : إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ( 114 ) : قال بعضهم : الأوّاه : الرحيم . ذكروا عن عبد اللّه بن مسعود أنّه قال : الأوّاه : الرحيم . وبعضهم يقول : هو الدّعاء . [ وقال ابن عبّاس : الأوّاه : الموقن ] « 2 » . قوله : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 115 ) . بلغنا أنّ أناسا من أصحاب النبيّ عليه السّلام ماتوا قبل أن تفرض الفرائض أو بعضها ، فقال قوم من أصحاب النبيّ : مات إخواننا قبل أن تفرض هذه الفرائض ، فما منزلتهم ، وقد كانوا مؤمنين بما فرض عليهم يومئذ ؟ فأنزل اللّه هذه الآية ، فأخبر أنّهم ماتوا
--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير الطبريّ في تفسيره ، ج 14 ص 513 عن قتادة مرسلا . ( 2 ) زيادة من ز ، ورقة 134 . وقد عدّد ابن الجوزي في زاد المسير ، ج 3 ص 509 - 510 ثمانية أقوال في ( لَأَوَّاهٌ ) ويبدو أنّ أدقّها تعبيرا وأصحّها تأويلا ما قاله أبو عبيدة في مجاز القرآن ، ج 6 ص 270 . قال : « مجازه مجاز فعّال من التأوّه ، ومعناه : متضرّع شفقا وفرقا ولزوما لطاعة ربّه ، وقال المثقّف العبديّ : إذا ما قمت أرحلها بليل * تأوّه آهة الرّجل الحزين » . وانظر البيت ضمن قصيدة رائعة اختارها المفضل الضبي في « المفضليات » ص 288 - 292 . تحقيق وشرح أحمد محمّد شاكر وعبد السّلام محمّد هارون ، الطبعة الرابعة ، دار المعارف بمصر .